ابن المقفع
62
آثار ابن المقفع
شجونا « 1 » . وأنشأت له أغصانا وأطرافا . فلما انتهيت فيه إلى ما بادهتني من اطلاعك على أمري وما كنت قد اختلقته كفيتني مؤونة الكلام . . وحزت الجواب باليسير من القول والإسعاف بالحاجة كما قد بدا لي منك . فإن الكلام إذا انتهى إلى العلماء ، والسر إذا استودع اللبيب الحافظ ثبت وبلغ غاية أمل صاحبه وأصبح قويا ثابتا كثبات القصر الذي أحكم أساسه بالصخور وكالجبل الذي لا تزعزعه الرياح ولا تزلزله . قال الهندي : لا شيء أفضل من المودة فمن خلصت مودته كان أهلا أن يخلطه الرجل بنفسه ولا يدخر عنه شيئا مما عنده . ورأس الأدب حفظ السر فإذا كان السر عند الأمين الحافظ فهو موضعه مع أنه خليق أن لا يكتتم ، وأن لا يكون سرا لأن السر إذا تكلم به لسانان صار إلى ثلاثة فشاع في الناس حتى لا يستطيع صاحبه أن يجحده وكالغيم إذا كان متقطعا ، فقال أحد : إن هذا غيم متقطع ، لم يكذبه أحد على ذلك بل يصدقه كل من يراه متقطعا . وأما أنا فقد اشتد سروري وابتهاجي بمودتك ومخالطتك . وهذا الأمر الذي تطلبه مني سر ليس بمكتتم ولا بد أن يفشو في المجالس . فإذا فشا وعلن هلكت نفسي هلاكا لا أقدر على الخلاص منه بالفداء بمال وإن كثر لأن ملكنا فظ « 2 » غليظ يعاقب على الطفيف فكيف على مثل هذا . فقال برزويه : إن العلماء مدحت الصديق إذا كتم سر صديقه وهذا الأمر الذي له قدمت إياك اعتمدت به ولك أفشيته « 3 » ومنك أرجو الحاجة وهو أمر جسيم وخطره عندي عظيم ، وأنا واثق بعقلك ولطفك وحسن تأتيك « 4 » وحيلتك في دركي ما أملته على يديك وبيمنك وبركتك
--> ( 1 ) شجنت له شجونا : أي فتحت له فنونا . ( 2 ) فظ : جاف الطبع . ( 3 ) لك أفشيته : أي بحت لك به . ( 4 ) حسن تأتيك : أي حسن اتيانك للأمور .